

الحمد للّٰـه رب العالمين، به الاستعانة، وله الاستكانة، وإليه التوسل، وعليه التوكل، وفيه المسعى، وإليه الرجعى، يقى عثرة اللسان، وخداع الفكر وغرور العلم والجهل، والصلاة والسلام على البشير النذير سيدنا محمد ﷺ، خير من نطق بلغة الضاد، ورضى اللّٰـه تعالى عن آله وأصحابه وتابعيهم الذين عرفوا الخير، وعملوا على إحياء تراثهم... آمين.
وبعد:
فهذا بحث فى أحد فنون حديقة العربية الفيحاء يكشف من جانب، عن منهج اللغوى فى الاهتمام بتراثه اللغوى، ومن جانب آخر رعايته للدرس النحوى، أتقدم به إلى قسم اللغة العربية بكلية البنات للآداب والعلوم والتربية، بجامعة عين شمس، للحصول على درجة الدكتوراه، وعنوانه: "عبد السلام محمد هارون محققًا ودارسًا نحويًّا".
شجّعنى على الإقدام نحو اختياره موضوعًا لدراستى هذه، طائفة من الأمور تهيأت متضامنة مع رغبتى أذكر منها:
أولا: معايشتى مصدر "تحقيق النصوص ونشرها" للعلامة الأستاذ "عبد السلام محمد هارون" مع أستاذى الكريمين المشرفين فى قاعة درس السنة التمهيدية للماجستير بقسم اللغة العربية بكلية البنات عام 1986م، والكشف عن الجانب النظرى للقواعد، والأسس التى تضبط ميدان تحقيق النص، ومحاولة تطبيقها على مصورات من مخطوط تراثنا المتراكم دينًا ولغةً ونحوًا وأدبًا.
وثانيًا: ما يذهب إليه بعض الشّادِين المعاصرين فى تحقيق النصوص من حداثة مباحثه، وعَزْو جانب كبير منها إلى توليدات المستشرقين، فكانت رغبتى فى تصحيح الوجه حول تأصيل مباحث فن تحقيق النص وعربيته، وامتداد جذوره منذ العهود الأولى للإسلام.
وثالثًا: اقتران مصادر العربية الرائدة فى شتّى مباحثها باسم "عبد السلام محمد هارون"، نطالعة مع كتاب سيبويه، وخزانة الأدب للبغدادى ومجالس ثعلب، والأمالى للزجاجى والصحاح للجوهرى ومقاييس اللغة لابن فارس، والحيوان والبيان والتبين والرسائل للجاحظ، هذا الاقتران اهتدى برغبتى إلى التعرف على سمات الفن الذى وهب "هارون" حياته لخدمته، والنص على ما تفرّد به بين معاصريه، وموقعه من جهود السابقين.
فكان توجيه أستاذىّ الكريمَيْن بالتوجّه نحو تقدير مفكِّر لُغوى، بعد دائرة معارف عربية، رائدًا فى ميدان تعامله مع نصوص التراث وفك رموز متونه الصفراء، باعثًا على نشرها، يرقى فى البحث مثلما نال أعلام القدامى والمعاصرين من الدراسة، فكان موضوع "عبد السلام محمّد هارون" ودراسة تحقيق النصوص منهجًا له قواعده وقضاياه من جانب، وإبراز بعض جهوده فى الدرس النحوى، من جانب آخر، موضوعًا لهذه الدراسة.
أما عن خطتى فى الدراسة، فقد تم تصنيفها بعد المقدمة فى ثلاثة أبواب يتقدمها تمهيد، وتعقبها خاتمة وبعض الفهارس التحليلية، أّرْدفتها بقائمة للمصادر والمراجع التى تعامَلَت معها الدراسة تعاملا مباشرًا مرتَّبةً ترتيبًا هجائيًّا، وموثّقةً توثيقًا عِلْمِيًّا.
فى التمهيد تناولت: "التراث والتحقيق"، بين المعجم والاصطلاح، قديمًا وحديثًا، وأهمية دراسة التراث العربى، وأدلة المفهوم الإصطلاحى للتحقيق وصولا إلى مفهوم مبتكر بين مفاهيم الدراسين من المهتمين بفن تحقيق النصوص.
ثم سجّلت بعض ما توصلت إليه حول المصطلحين.
وفي الباب الأول وعنوانه: "بواكير تحقيقِيّة قبل عبد السلام محمد هارون بين النظرية والتحقيق"، وقد اشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول هو: "القُدامى وتحقيق النصوص" تحدثت فيه عن عربية تحقيق