

ما المجتمع في واقعه إلا الأفراد التي هي لَبِنَاتُهُ، ومنها يتكون..
وما الأفراد في واقعها إلا المجتمع الذي منها تَكَوَّن.. فسعادته من سعادتها، وصلاحه من صلاحها، وشقاؤه من شقائها، وفساده من فسادها..
وإذن فالبحث عن الأساس الذي عليه يُبنى المجتمع، هو بحث عن اللبنات التي منها يتكون. فإذا ما صِيغَتِ اللبنات على الوجه الذي به تَقْوَى وتتماسك في خاصة نفسها، والذي به تتبوأ مكانها في بناء المجتمع، وُجِدَ المجتمع المثالي الفاضل، بالتراحم والتعاون، وتبادل الخير والمنفعة.
غير أن صمام الترابط بين الأفراد والمجتمع، لا بد لكي يثمر ثمرته، ويحقق غايته، ويستمر ناميًا لا يتناقص.. لا بد أن تهيمن عليه في قلب الإنسان وروحه، قوة ينبع احترامها من قلبه، فيكون للتعاليم التي يتلقاها عن تلك القوة، ويَسُوسُ بها نفسَه في فرده ومجتمعه، نفس الاحترام الذي ينبع من قلبه لتلك القوة.. وليس ذلك إلا التعاليم الإلهية، الواصلة إليه من الله رب العالمين.
ولقد نزل القرآن الكريم على قلب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليرشد الناس به إلى ما يجب أن يأخذوا به أنفسَهم، وينظموا به حياتهم، ويكوّنوا به مجتمعهم على الوجه الذي يسعدهم.. يسعدهم في الدنيا بالعزة والسلطان، والتمكين والهيمنة على الحق.. وفي الآخرة بالرحمة الدائمة، وبالنعيم المقيم.. فتَكْمُل للإنسان سعادته في الأولى والآخرة.