الأقسام
المتجر
الرئيسية
التسوق
الصفحة الشخصية

المتجر

  • image
  • image

عبقريه عمر - رضي الله عنه

175 ج.م

 

تم تأليف هذا الكتاب فى أحوال عجيبة هى أحوال بأس وخطر. فلا غرابة بينها وبين موضوع الكتاب الذى أردته عليه، لأننا لا نتكلم عن عمر بن الخطاب إلا وجدنا أننا على مقربة من البأس ومن الخطر فى آن.

فما شرعت فى تحضيره وبدأت فى الصفحات الأولى منه حتى رأيتنى على سفر بغير أهبة إلى السودان. فوصلت إليه وليس معى من مراجع الكتاب إلا القليل، وكانت الصفحات الأولى التى كتبتها فى القاهرة مما تركته مع المراجع الكثيرة فيها، فأعدت كتابتها فى الخرطوم ومضيت فيه هنالك حتى انتهيت من أكبر شطريه. واستغنيت بمراجع الخرطوم عن المراجع التى أعجلنى السفر عن نقلها. لأن أدباء السودان وفضلاءه يدخرون جملة صالحة من هذه المراجع، ويجودون بها أسخياء مبادرين إلى الجود، فلا أذكر أننى طلبت كتابًا فى المساء إلا كان عندى فى بكرة الصباح.

وإنى لأتوفر عن كتابته وأحسبنى منتهيًا منه فى السودان إذ رأيتنى مرة أخرى على سفر بغير أهبة إلى القاهرة، فعدت إليها بالطائرة ألتمس العلاج السريع، لأن يدى أوشكتا أن تعجزا عن تناول القلم بما عراهما من تآليل «الخريف».

فعدت وما يشغلنى عن إتمامه شاغل فى السفر والمقام، ولم أحسب هذا البأس فى الحالتين من موانعه وعراقيله، لأننى ألفت بعض كتبى الكبار فى أحوال تشبه هذه الأحوال. فألفت كتابى «ابن الرومى» بين السجن ونذره ومقدماته، وألفت كتابى عن ((سعد زغلول)) وأنا غير مستريح من كفاحه، وكلاهما من آثر الكتب عندى وأكبرها فى الموضوع وفى عدد الصحات.

إنما حسبت هذا البأس من مطابقاته وموافقاته، ومن وضع الشئ فى موضعه على نحو من الأنحاء، ولم أعدده من حرج التأليف كما عددته من مهيآت جوه، ولا سيما حين ألفيتنى أدرس آثار الحركة المهدية وأتقلب بين مشاهدها وميادينها، وأستخرج العبرة من القتال بين الراجلين والفيلة فى مواقع فارس، ومن القتال بين الراجلين والسفن المسلحة فى مواقع الخرطوم وأم درمان. فهذه عقيدة وتلك عقيدة، ولكن العقيدة التى ظفرت كان معها حليف من الغد المأمول، ولم تكن العقيدة التى فشلت على وفاق مع الغد ولا مع المأمول.

 

ولكن الحرج كل الحرج فى التأليف إنما كان فى محاسبة عمر بن الخطاب أو ليس الحرج فى الحساب أيضًا من العمريات المأثورات؟!

فالناس قد تعودوا ممن يسمونهم بالكتاب المنصفين أن يحبذوا وينقدوا وأن يقرنوا بين الثناء والملام، وأن يسترسلوا فى الحسنات بقدر لينقلبوا من كل حسنة إلى عيب يكافئها ويشفعوا كل فضيلة بنقيصة تعادلها، فإن لم يفعلوا ذلك فهم إذن مظنة المغالاة والإعجاب  المتحيز، وهم إذن أقل من الكتاب المنصفين الذين يمدحون ويقدحون، ولا يعجبون إلا وهم متحفزون لملام.

 

عرض لى هذا الخاطر فذكرت قصة العاهل الذى تحاكم إلى قاضيه مع بعض السوقة فى عقار يختلفان على ملكه فحكم القاضى للسوقة بغير الحق ليغنم سمعة العدل فى محاسبة الملوك، وعزله العاهل لأنه ظلم وهو يبتغى الرياء بظلمه. فكان أعدل عادل حين بدا كأنه يحرص  على مال مغصوب ويجور على تابع جسور .. لأنه أنصف وهو مستهدف لتهمة الظلم، وقاضيه قد ظلم وهو يتراءى بالإنصاف.

قلت لنفسى: إن كنت قد أفدت شيئًا من مصاحبة عمر بن الخطاب فى سيرته وأخباره فلا يحرجنك أن تزكى عملًا له كلما رأيته أهلًا للتزكية، وإن زعم زاعم أنها المغالاة، وأنه فرط الإعجاب.

 

منتجات مشابهة